Monday, August 11, 2008

محمود درويش 1941 - 2008



/هذا هُوَ اسمُكَ
قالتِ امرأةٌ،
...وغابتْ في المَمَرِّ اللولبيّ

.أَرى السماءَ هُناكَ في متناولِ الأَيدي

ويحملُني جناحُ حمامةٍ بيضاءَ صوبَ
طُفولةٍ أُخرى. ولم أَحلُمْ بأني
كنتُ أَحلُمُ. كُلُّ شيءٍ واقعيٌّ. كنتُ
...أعلمُ أَنني أُلقي بنفسي جانباً
وأَطيرُ. سوف أكونُ ما سأَصيرُ في
،الفَلَك الأَخير. وكُلُّ شيءٍ أَبيضُ
البحرُ المُعَلَّقُ فوق سقف غمامةٍ
بيضاءَ. واللاّ شيء أَبيضُ في
سماء المُطْلَق البيضاءِ. كنتُ، ولم
أَكُنْ. فأنا وحيدٌ في نواحي هذه
الأَبديَّة البيضاء. جئتُ قُبَيْل ميعادي
فلم يَظْهَرْ ملاكٌ واحدٌ ليقول لي:
«ماذا فعلتَ، هناك، في الدنيا؟»
ولم أَسمع هُتافَ الطيِّبينَ، ولا
،أَنينَ الخاطئينَ، أَنا وحيدٌ في البياض
...أَنا وحيدُ

.
لا شيء يُوجِعُني على باب القيامةِ

لا الزمانُ ولا العواطفُ. لا
أُحِسُّ بخفَّةِ الأشياء أَو ثِقَلِ
:الهواجس. لم أَجد أَحداً لأسأل
أَين «أَيْني» الآن؟ أَين مدينةُ
الموتى، وأَين أَنا؟ فلا عَدَمٌ
،هنا في اللا هنا... في اللا زمان
ولا وُجودُ

...وكأنني قد متُّ قبل الآن
أَعرفُ هذه الرؤيا، وأَعرفُ أَنني
أَمضي إلى ما لَسْتُ أَعرفُ. رُبَّما
ما زلتُ حيّاً في مكانٍ ما، وأَعرفُ
...ما أُريدُ


سأصيرُ يوماً ما أُريدُ


سأَصير يوماً فكرةً. لا سَيْفَ يحملُها
...إلى الأرضِ اليبابِ ولا كتابَ
كأنَّها مَطَرٌ على جَبَلٍ تَصَدَّعَ من
،تَفَتُّح عُشْبَةٍ
لا القُوَّةُ انتصرتْ
ولا العَدْلُ الشريدُ

سأصيرُ يوماً ما أُريدُ


سأصيرُ يوماً طائراً، وأَسُلُّ من عَدَمي
وجودي. كُلَّما احتَرقَ الجناحانِ
اقتربتُ من الحقيقةِ، وانبعثتُ من
الرمادِ. أَنا حوارُ الحالمين، عَزَفْتُ
عن جَسَدي وعن نفسي لأُكْمِلَ
رحلتي الأولى إلى المعنى، فأَحْرَقَني
وغاب. أَنا الغيابُ. أَنا السَّماويُّ
.الطريدُ

سأصيرُ يوماً ما أُريدُ


،سأَصيرُ يوماً شاعراً
والماءُ رَهْنُ بصيرتي. لُغتي مجازٌ
للمجاز، فلا أَقولُ ولا أشيرُ
.إلى مكانٍ. فالمكان خطيئتي وذريعتي
أَنا من هناك. «هُنا»يَ يقفزُ
...من خُطايَ إلى مُخَيَّلتي
أَنا من كُنْتُ أَو سأكونُ
يَصْنَعُني ويَصْرعُني الفضاءُ اللاّنهائيُّ
.المديدُ

سأصيرُ يوماً ما أُريدُ


،سأَصيرُ يوماً كرمةً
،فَلْيَعْتَصِرني الصيفُ منذ الآن
وليشربْ نبيذي العابرونَ على
!ثُرَيّات المكان السُكَّريِّ
أَنا الرسالةُ والرسولُ
أَنا العناوينُ الصغيرةُ والبريدُ

سأصيرُ يوماً ما أُريدُ

/هذا هُوَ اسمُكَ
،قالتِ امرأةٌ
.وغابتْ في مَمَرِّ بياضها
!هذا هُوَ اسمُكَ، فاحفظِ اسْمَكَ جَيِّداً
لا تختلفْ مَعَهُ على حَرْفٍ
،ولا تَعْبَأْ براياتِ القبائلِ
كُنْ صديقاً لاسمك الأُفُقيِّ
جَرِّبْهُ مع الأحياء والموتى
ودَرِّبْهُ على النُّطق الصحيح برفقة الغرباء
،واكتُبْهُ على إحدى صُخور الكهف
يا اسمي: سوف تكبَرُ حين أَكبَرُ
سوف تحمِلُني وأَحملُكَ
الغريبُ أَخُ الغريب
سنأخُذُ الأُنثى بحرف العِلَّةِ المنذور للنايات
يا اسمي: أَين نحن الآن؟
قل: ما الآن، ما الغدُ؟
ما الزمانُ وما المكانُ
وما القديمُ وما الجديدُ؟

سنكون يوماً ما نريدُ

لا الرحلةُ ابتدأتْ، ولا الدربُ انتهى
لم يَبْلُغِ الحكماءُ غربتَهُمْ
كما لم يَبْلُغ الغرباءُ حكمتَهمْ
،ولم نعرف من الأزهار غيرَ شقائقِ النعمانِ
:فلنذهب إلى أَعلى الجداريات
،أَرضُ قصيدتي خضراءُ، عاليةٌ
كلامُ الله عند الفجر أَرضُ قصيدتي
وأَنا البعيدُ
أَنا البعيدُ

في كُلِّ ريحٍ تَعْبَثُ امرأةٌ بشاعرها
خُذِ الجهةَ التي أَهديتني-
،الجهةَ التي انكَسَرَتْ
،وهاتِ أُنوثتي
لم يَبْقَ لي إلاّ التأمُّلُ في
تجاعيد البُحَيْرَة. خُذْ غدي عنّي
وهاتِ الأمس، واتركنا معاً
لا شيءَ، بَعدَكَ، سوف يرحَلُ
أَو يعودُ

وخُذي القصيدةَ إن أَردتِ-
فليس لي فيها سواكِ
خُذي «أَنا» كِ. سأُكْملُ المنفى
.بما تركَتْ يداكِ من الرسائل لليمامِ
فأيُّنا منا «أَنا» لأكون آخرَها؟
ستسقطُ نجمةٌ بين الكتابةِ والكلامِ
وتَنْشُرُ الذكرى خواطرها: وُلِدْنا
في زمان السيف والمزمار بين
.التين والصُبَّار. كان الموتُ أَبطأَ
كان أَوْضَح. كان هُدْنة عابرين
،على مَصَبِّ النهر. أَما الآن
فالزرُّ الإلكترونيُّ يعمل وَحْدَهُ. لا
قاتلٌ يُصْغي إلى قتلى. ولا يتلو
وصيَّتَهُ شهيدُ

من أَيِّ ريح جئتِ؟
قولي ما اسمُ جُرْحِكِ أَعرفِ
!الطُرُقَ التي سنضيع قيها مَرّتيْنِ
وكُلُّ نَبْضٍ فيكِ يوجعُني، ويُرْجِعُني
إلى زَمَنٍ خرافيّ. ويوجعني دمي
والملحُ يوجعني... ويوجعني الوريدُ



من جدارية محمود درويش التي كتبها عام 1999

رحمه الله